أحمد بن محمد المقري التلمساني

15

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

كثير ما يأتي به ، واستهجانهم حسناته ، وتتبّعهم سقطاته وعثراته ، وأكثر ذلك مدّة حياته ، بأضعاف ما في سائر البلاد ، إن أجاد قالوا : سارق مغير ومنتحل مدّع ، وإن توسّط قالوا : غثّ بارد وضعيف ساقط ، وإن باكر الحيازة لقصب السّبق قالوا : متى كان هذا ؟ ومتى تعلّم ؟ وفي أي زمان قرأ ؟ ولأمّه الهبل ! وبعد ذلك إن ولجت به الأقدار أحد طريقين إمّا شفوفا بائنا يعليه على نظرائه أو سلوكا في غير السبيل التي عهدوها فهنالك حمي الوطيس على البائس ، وصار غرضا للأقوال ، وهدفا للمطالب ، ونصبا للتسبّب إليه ، ونهبا للألسنة ، وعرضة للتطرق إلى عرضه ، وربما نحل ما لم يقل ، وطوّق ما لم يتقلّد ، وألحق به ما لم يفه به ولا أعتقده قلبه ، وبالحرى وهو السابق المبرّز إن لم يتعلّق من السلطان بحظّ أن يسلم من المتالف وينجو من المخالف ، فإن تعرّض لتأليف غمز ولمز ، وتعرّض وهمز ، واشتطّ عليه ، وعظم يسير خطبه ، واستشنع هين سقطه ، وذهبت محاسنه ، وسترت فضائله ، وهتف ونودي بما أغفل ، فتنكسر « 1 » لذلك همّته ، وتكلّ نفسه ، وتبرد حميّته ، وهكذا عندنا نصيب من ابتدأ يحوك شعرا ، أو يعمل بعمل رياسة « 2 » ، فإنه لا يفلت من هذه الحبائل ، ولا يتخلّص من هذه النّصب إلّا الناهض الفائت والمطفّف المستولي على الأمد . وعلى ذلك فقد جمع ما ظنّه الظانّ غير مجموع ، وألّفت عندنا تآليف في غاية الحسن ، لنا خطر السبق في بعضها : فمنها كتاب « الهداية » لعيسى بن دينار « 3 » ، وهي أرفع كتب جمعت في معناها على مذهب مالك وابن القاسم ، وأجمعها للمعاني الفقهيّة على المذهب ، فمنها كتاب الصلاة وكتاب البيوع وكتاب الجدار في الأقضية وكتاب النكاح والطلاق ، ومن الكتب المالكية التي ألّفت بالأندلس كتاب القطنيّ مالك بن علي « 4 » ، وهو رجل قرشي من بني فهر ، لقي أصحاب مالك وأصحاب أصحابه ، وهو كتاب حسن فيه غرائب ومستحسنات من الرسائل المولدات ، ومنها كتاب أبي إسحاق إبراهيم بن مزين في تفسير الموطأ والكتب المستقصية لمعاني الموطأ وتوصيل مقطوعاته من تآليف ابن مزين أيضا ، وكتابه في رجال الموطأ وما لمالك عن كلّ واحد منهم من الآثار في موطّئه . وفي تفسير القرآن كتاب أبي عبد الرحمن بقي بن مخلد فهو الكتاب الذي أقطع قطعا لا

--> ( 1 ) في ب ، ه : « فتنكس لذلك همته » . ( 2 ) في ب ، ه : « أو يعمل رسالة » . ( 3 ) هو عيسى بن دينار بن واقد الغافقي ( انظر الجذوة : 289 ) . ( 4 ) هو مالك بن علي بن مالك بن عبد اللّه بن قطن الفهري ، ولذلك يقال له القطني ( انظر الجذوة : 324 ) ، وفي أ ، ه « القصي » وهو تحريف .